الحارث المحاسبي

81

الرعاية لحقوق الله

فوعدهم اللّه تبارك وتعالى أن يحملهم على الطريق المستقيم ، ويريهم الحق جهارا سرمدا ، لأنه كريم يتقرب ممن يتباعد منه ، فكيف بمن يتقرب إليه ؟ ! ويتحبّب إلى من يتبغّض إليه ، فكيف بمن يتحبّب إليه ؟ ! وكذا روى أبو هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « يقول اللّه عز وجل : يا بن آدم إن تقربت إليّ فترا « 1 » تقرّبت إليك شبرا ، وإن تقرّبت إليّ شبرا تقرّبت إليك ذراعا ، وإن تقرّبت إليّ ذراعا تقربت إليك باعا ، وإن أتيتني سعيا أتيتك هرولة » « 2 » . وإنما هذا على حسن المعونة ، وسرعة الإجابة والهداية بالسداد والتوفيق ، والاكتناف بالعصمة ، فلم يلبث هذا التائب إلا يسيرا حتى يقبل اللّه عزّ وجلّ عليه بمعونة فيغلب له هوى نفسه ، ويقوى منه ضعفه ، ويميت منه دواعي شهواته ، فيقهر العقل منه الهوى ، ويغلب العلم منه الجهل ، ويسكن قلبه الخوف والهمّ ويواصل فيه الأحزان بعد طول لهوه ، واتصال أفراحه بالدنيا . كلما ذكر ما كان منه من ذنوبه هاج خوفه ، وغلب همّه وطال حزنه ؛ فإذا

--> ( 1 ) الفتر بكسر الفاء وسكون التاء : المسافة ما بين طرف الإبهام إلى طرف الإصبع المشيرة . ( القاموس المحيط 2 / 107 ) . ( 2 ) الحديث بلفظ الغيبة ، لا بلفظ الخطاب ، أخرجه البخاري في التوحيد 13 / 384 ( 7405 ) و 512 ( 7537 ) ، ومسلم في الذكر والدعاء 4 / 2067 - 2068 ( 2675 ) وفي التوبة 4 / 2102 ( 2675 ) ، والترمذي في الدعوات 10 / 63 - 64 ( 3673 ) ، وابن ماجة في الأدب 2 / 1255 - 1256 ( 3822 ) ، وأحمد 2 / 413 ، 435 ، 480 ، 482 ، 509 ، 523 ، 534 - 535 ، وابن حبان 2 / 100 ( 376 ) . وروى مسلم في نفس الموضع نحوه عن أبي ذر ، ولكن ليس في الروايات التي اطلعت عليها ذكر أنه إن تقرب إليه فترا تقرب اللّه إليه شبرا ، واللّه أعلم .